في حلقة مؤثرة ومستنيرة من برنامجه "صباح السعادة"، تناول خبير التنمية البشرية والإرشاد النفسي و الأسري، الدكتور عبدالرحمن عبدالله عوضون، موضوعًا حيويًا ومعقدًا: **التوحد وعلاقته بمقاييس الذكاء**.
قدم الدكتور عوضون رؤية عميقة تتجاوز المفاهيم التقليدية، داعيًا إلى فهم أوسع للذكاء وتقدير للقدرات المتنوعة التي يتمتع بها أفراد طيف التوحد.
التوحد: طيف واسع لا تعريف واحد
بدأ الدكتور عوضون حديثه بالتأكيد على أن **التوحد هو "طيف" (Autism Spectrum Disorder - ASD)**، وهذا يعني أنه يظهر في أشكال ودرجات مختلفة تمامًا من شخص لآخر. لا يوجد "شخص توحدي" واحد، بل هناك أفراد يتمتعون بخصائص فريدة تتراوح من تحديات كبيرة في التواصل والتفاعل الاجتماعي إلى قدرات معرفية استثنائية في مجالات معينة. هذه الخصائص قد تشمل:
صعوبات في التواصل الاجتماعي والتفاعل.
أنماط سلوكية متكررة ومحدودة.
حساسية حسية مفرطة أو منخفضة (للضوء، الصوت، الملمس، إلخ).
في المقابل، قد يمتلكون **مهارات متقدمة جدًا** في مجالات مثل الرياضيات، الموسيقى، الذاكرة التفصيلية، أو الفنون.
الذكاء والتوحد: تحدي المفاهيم التقليدية
تناول الدكتور عوضون النقطة المحورية حول **مقاييس الذكاء التقليدية (مثل اختبارات IQ)** وعلاقتها بالتوحد. وأشار إلى أن هذه المقاييس قد لا تكون كافية أو دقيقة في قياس القدرات المعرفية الحقيقية لدى بعض الأفراد ذوي التوحد، للأسباب التالية:
1. صعوبات التواصل: قد يواجه أفراد التوحد تحديات في التعبير عن معرفتهم ومهاراتهم من خلال التفاعل اللفظي أو الاجتماعي المطلوب في الاختبارات التقليدية.
2. اختلاف أنماط التفكير:قد يفكرون ويعالجون المعلومات بطرق مختلفة، لا تتناسب دائمًا مع البنية النمطية لاختبارات الذكاء المصممة للأشخاص ذوي التفكير العصبي النموذجي.
3. الذكاء "السباريكي" (Savant Abilities): بعض الأفراد ذوي التوحد يظهرون قدرات ذهنية خارقة أو "سباريكية" في مجالات محددة (مثل تذكر التفاصيل المعقدة، الحسابات الرياضية السريعة، أو القدرة الفنية المذهلة)، بينما قد يواجهون صعوبات في مجالات أخرى. هذه القدرات غالبًا لا تُقاس بشكل كافٍ بالاختبارات القياسية.
نحو فهم أوسع للذكاء ودمج أفضل:
دعا الدكتور عوضون إلى تبني **نظرة أكثر شمولية للذكاء**، تتجاوز مفهوم الذكاء الأكاديمي أو المنطقي الرياضي فقط. يجب أن نقدر الذكاء العاطفي، الاجتماعي، العملي، والإبداعي. وفي سياق التوحد، يعني هذا:
تكييف طرق التقييم:استخدام أدوات تقييم متنوعة تراعي تحديات التواصل لدى أفراد التوحد، وتركز على قياس القدرات في سياقات مختلفة.
التركيز على نقاط القوة:بدلاً من التركيز فقط على "النواقص" أو "التحديات"، يجب أن نسلط الضوء على القدرات الفريدة والمواهب الكامنة لدى كل فرد من ذوي التوحد وتنميتها.
الدعم والتفهم: توفير بيئة داعمة في المنزل، المدرسة، والمجتمع تساعد أفراد التوحد على تحقيق أقصى إمكاناتهم، مع فهم لخصوصية احتياجاتهم.
التوعية المجتمعية: نشر الوعي حول التوحد ليس فقط لفهم تحدياته، بل لتقدير المساهمات القيمة التي يمكن أن يقدمها أفراد الطيف للمجتمع.
اختتم الدكتور عبدالرحمن عوضون حلقة "صباح السعادة" بتأكيد على أن **كل إنسان يستحق التقدير والفهم لذكائه وقدراته الفريدة، بغض النظر عن طريقة تفكيره أو تواصله**. إن التوحد ليس قيدًا، بل هو اختلاف في طريقة عمل الدماغ يفتح أبوابًا لفهم جديد للعالم، وعلينا كمجتمع أن نفتح أذرعنا ونعزز إمكانيات كل فرد على هذا الطيف المتنوع.
